السيد الطباطبائي
209
بداية الحكمة ( تحقيق الزارعي السبزواري )
ومن طريق آخر 1 : الأفعال كغيرها من الممكنات معلولة ؛ وقد تقدّم في مرحلة العلّة والمعلول : أنّ وجود المعلول رابط بالنسبة إلى علّته 2 ، ولا يتحقّق وجود رابط إلّا بالقيام بمستقلّ يقوّمه ، ولا مستقلّ بالذات إلّا الواجب بالذات ، فهو مبدأ أوّل لصدور كلّ معلول متعلّق الوجود بعلّة ، وهو على كلّ شيء قدير . فإن قلت : الالتزام بعموم القدرة للأفعال الإختياريّة التزام بكونها جبريّة ، فإنّ لازمه القول بتعلّق الإرادة الإلهيّة بالفعل الإختياريّ ، وهي لا تتخلّف عن المراد ، فيكون ضروريّ الوقوع ، ويكون الإنسان مجبرا عليه ، لا مختارا فيه . وبوجه آخر : ما وقع من الفعل متعلّق لعلمه ( تعالى ) ، فوقوعه ضروريّ ، وإلّا عاد علمه جهلا ( تعالى عن ذلك ) ، فالفعل جبريّ لا اختياريّ . قلت : كلّا ! فالإرادة الإلهيّة إنّما تعلّقت بالفعل على ما هو عليه في نفسه ، والذي عليه الفعل هو أنّه منسوب إلى الإنسان الذي هو جزء علّته التامّة بالإمكان ، ولا يتغيّر بتعلّق الإرادة عمّا هو عليه ، فقد تعلّقت الإرادة بالفعل من طريق اختيار الإنسان ، ومراده ( تعالى ) أن يفعل الإنسان الفعل الفلانيّ باختياره ، ومن المحال أن يتخلّف مراده ( تعالى ) عن إرادته . والجواب عن الاحتجاج بتعلّق العلم الأزليّ بالفعل كالجواب عن تعلّق الإرادة به ، فالعلم إنّما تعلّق بالفعل على ما هو عليه ، وهو أنّه فعل اختياريّ يتمكّن الإنسان منه ومن تركه ، ولا يخرج العلم المعلوم عن حقيقته ، فلو لم يقع اختياريّا كان علمه ( تعالى ) جهلا . فإن قلت : السلوك إلى بيان عموم القدرة 3 من طريق توقّف وجود المعلول
--> - رسالة مسألة العلم ، على ما في الأسفار 6 : 371 . ( 1 ) وهذا الطريق منسوب إلى الراسخين في العلم . راجع الأسفار 6 : 372 . ( 2 ) راجع الفصل الثالث من المرحلة السابعة . ( 3 ) اعلم أنّ عموم قدرته مذهب أكثر الحكماء والمتكلّمين . وخالفهم في ذلك طوائف : قال بعض المنجّمين : إنّ الأفلاك والكواكب وأوضاعها مؤثّرات مستقلّة في حوادث العالم .